عبد الرحمن بن ناصر السعدي

757

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

على الخير ، والرغبة فيه ، واقتداء بعضهم ببعض . ومن لطفه ، أن قيض لعبده كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي . حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها ، مما يتنافس فيه أهل الدنيا ، تقطع عبده عن طاعته ، أو تحمله على الغفلة عنه ، أو على معصيته ، صرفها عنه ، وقدر عليه رزقه ، ولهذا قال هنا : * ( يرزق من يشاء ) * بحسب اقتضاء حكمته ولطفه * ( وهو القوي العزيز ) * الذي له القوة كلها ، فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين ، إلا به ، الذي دانت له جميع الأشياء . ثم قال تعالى : * ( من كان يريد حرث الآخرة ) * أي : أجرها وثوابها ، فآمن بها وصدق ، وسعى لها سعيها * ( نزد له في حرثه ) * بأن نضاعف عمله وجزاءه ، أضعافا كثيرة . كما قال تعالى : * ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) * ومع ذلك ، فنصيبه من الدنيا ، لا بد أن يأتيه . * ( ومن كان يريد حرث الدنيا ) * بأن : كانت الدنيا ، هي مقصوده ، وغاية مطلوبه ، فلم يقدم لآخرته ، ولا رجا ثوابها ، ولم يخش عقابها . * ( نؤته منها ) * نصيبه الذي قسم له . * ( وما له في الآخرة من نصيب ) * قد حرم الجنة ونعيمها ، واستحق النار وجحيمها . وهذه الآية ، شبيهة بقوله تعالى : * ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ) * . * ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم * ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير * ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور ) * يخبر تعالى ، أن المشركين اتخذوا شركاء ، يوالونهم ويشتركون هم وإياهم ، في الكفر وأعماله ، من شياطين الإنس ، الدعاة إلى الكفر * ( شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) * من الشرك والبدع ، وتحريم ما أحل الله ، وتحليل ما حرم الله ونحو ذلك ، مما اقتضته أهواؤهم . مع أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى ، ليدين به العباد ، ويتقربوا به إليه . فالأصل الحجر على كل أحد ، أن يشرع شيئا ما جاء عن الله ولا عن رسوله . فكيف بهؤلاء الفسقة المشتركين هم وهم على الكفر . * ( ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم ) * أي : لولا الأجل المسمى ، الذي ضربه الله فاصلا ، بين الطوائف المختلفة ، وأنه سيؤخرهم إليه ، لقضي بينهم في الوقت الحاضر ، بسعادة المحق ، وإهلاك المبطل ، لأن المقتضي للإهلاك ، موجود ، ولكن أمامهم ، العذاب الأليم في الآخرة ، هؤلاء وكل ظالم . وفي ذلك اليوم * ( ترى الظالمين ) * أنفسهم بالكفر والمعاصي * ( مشفقين ) * أي : خائفين وجلين * ( مما كسبوا ) * أن يعاقبوا عليه . ولما كان الخائف قد يقع به ، ما أشفق منه وخافه ، وقد لا يقع ، أخبر أنه * ( واقع بهم ) * العقاب ، الذي خافوه ، لأنهم أتوا بالسبب التام الموجب للعقاب ، من غير معارض ، من توبة ولا غيرها ، ووصلوا موضعا فات فيه الإنظار والإمهال . * ( والذين آمنوا ) * بقلوبهم ، بالله وبكتبه ، ورسله وجاءوا به . * ( وعملوا الصالحات ) * يشمل فيه كل عمل صالح من أعمال القلوب ، وأعمال الجوارح من الواجبات ، والمستحبات . فهؤلاء * ( في روضات الجنات ) * أي : الروضات المضافة إلى الجنات ، والمضاف يكون بحسب المضاف إليه . فلا تسأل عن بهجة تلك الرياض المونقة ، وما فيها من الأنهار المتدفقة ، والغياض المعشبة ، والمناظر الحسنة ، والأشجار المثمرة ، والطيور المغردة ، والأصوات الشجية المطربة ، والاجتماع بكل حبيب ، والأخذ من المعاشرة والمنادمة ، بأكمل نصيب . رياض لا تزداد على طول المدى ، إلا حسنا وبهاء ، ولا يزداد أهلها ، إلى اشتياقا إلا لذاتها وودادا . * ( لهم ما يشاؤون ) * فيها أي : في الجنات * ( عند ربهم ) * . فمهما أرادوا ، فهو حاصل ، ومهما طلبوا حصل ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . * ( ذلك هو الفضل الكبير ) * وهل فضل أكبر من الفوز برضا الله تعالى ، والتنعم بقربه في دار كرامته ؟ * ( ذلك الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * أي : هذه البشارة العظيمة ، التي هي أكبر البشائر على الإطلاق ، بشر بها الرحيم الرحمن ، على يد أفضل خلقه لأهل الإيمان والعمل الصالح ، فهي أجل الغايات ، والوسيلة الموصلة إليها أفضل الوسائل . * ( قل لا أسألكم عليه ) * أي : على تبليغي إياكم هذا القرآن ودعوتكم إلى أحكامه . * ( أجرا ) * فلست أريد أخذ أموالكم ، ولا التولي عليكم والترأس ، ولا غير ذلك من الأغراض * ( إلا المودة في القربى ) * . يحتمل أن المراد : لا أسألكم عليه أجرا واحدا هو لكم ، وعائد نفعة إليكم ، وهو : أن تودوني وتحبوني